نشاطات عام 2015
في صور
 


الاسبوع الثقافي العراقي
صفاقس 2016
 



بحث سريع

مواقع ذات صلة



متحدون مع التراث


حمّل تطبيق الدائرة للاجهزة الذكية


خارطة الزوار
كواليس خضير ميري الذي لن أنساه
  

سامي عبد الحميد

طبيعي أن يموت (خضير ميري) قبل الأوان وقد أتلف أعصابه وأنهك دماغه وهو في عز شبابه. وعندما كان طالباً في قسم الفنون المسرحية بكلية  الفنون الجميلة ببغداد وكنت مدرساً له لاحظت رغبته الشديدة في تقصي العلم وتعلم طروحات الفلاسفة القدماء والمعاصرين وتطلعه الحماسي لكسر القيود والبحث عن الجديد. كنت آخذ عليه عدم الالتزام بالضوابط والتقاليد ، كان متمرداً لا يقبل أي نوع من القهر والتسلط ولذلك ترك الدراسة وحاول ان يغادر البلاد قبل ان يتعرض لأذى السلطة الغاشمة في الثمانينات من القرن الماضي وللأسف لم يستطع ان يفلت ، فقد القي القبض عليه وهو يحاول الخروج بطريق غير شرعي.عندها تعرض فعلاً لضغوطات السلطات الأمنية ووسائل التعذيب فما كان له الا ان يتظاهر بالجنون وبالفعل كاد ان يجن وأن افكاره وتصرفاته توحي بالجنون ، وعليه أودع مشفى الامراض النفسية والعقلية في الشماعية . ولأنه لم يكن مجنوناً فعلاً فقد عقد صداقة مع رئيس اطباء المستشفى (سامي بطي) الذي بالاضافة الى كونه طبيباً كان مثقفاً يهوى الموسيقى، وكان (خضير) يقضي معه أوقاتاً طويلة يستمعان الى السيمفونيات والكونسرتات.

جاء اليوم الذي تم فيه قصف الطائرات الاميركية لذلك المشفى ظناً منهم انه أحد المعسكرات او مخزن للذخائر والأسلحة وحيث تهدمت الجدران والاسيجة استطاع النزلاء الهرب فمنهم من عاد الى بيته ومنهم من راح هائماً في الشوارع والأزقة ومنهم من عاد الى المشفى، وكان (خضير) من هؤلاء الآخيرين لأنه خشي ان يقع في قبضة السلطات الأمنية وهذه المرة سيحكم عليه ربما بالاعدام.

مرت سنوات واستطاع (خضير ميري) ان يخرج من المشفى ويعود الى الدراسة في كلية الفنون ورحت ادرّسه مرة اخرى وفي هذه المرة رأيته اكثر استقراراً وأكثر عمقاً واهدى سلوكاً واذا به يعمل في الصحافة ويكتب الرواية وذات يوم يقدم روايته المشهورة (أيام الجنون والعسل) وكانت اشبه بالوثيقة التي يسجل فيها مكابداته في الحياة اليومية ومعاناته داخل المشفى - السجن ويصور تلك الفاجعة التي حلت بالنزلاء جراء القصف بالقنابل من الجو.

اثارني وصفه واعجبني اسلوبه في الكتابة ورأيت في تلك الرواية نموذجاً للتراجيديا المعاصرة سارعت لتحويلها الى مسرحية . وبالفعل فقد اخرجتها وقدمتها في منتدى المسرح في الشهر السادس من عام 2012، ولعلني اليوم افتخر بذلك العمل اولاً لأن مؤلفه الاصلي (خضير ميري) الأديب الفيلسوف المتنور والمتحرر الذي فقدناه بسرعة وثانياً لأنني تعاملت مع ممثلات وممثلين شباب اكثريتهم يشتركون في عرض مسرحي لأول مرة. ثالثاً لأنني اقنعت ممثلة رائدة هي (سوسن شكري) ان تشارك في العمل وقد أبدعت في تلك المشاركة. رابعاً لأنني استطعت ان احوّل باحة المنتدى ومرافقه الى بيئة مناسبة للعرض قريبة الشبه من باحة في مشفى الشماعية.

قيل عن المسرحية بأنها "عبرت بصدق أخاذ عن المراحل المختلفة لمعاناة الانسان العراقي من حروب وظلم وحيف واستهتار بانسانية الانسان.. كانت احتفالية ولكن بشكل معاكس للاحتفال الممنهج بمناظرة".

وقال الناقد (صميم حسب الله) "ان اعتياد المخرج على الاداء الجماعي من خلال تدريب عدد من الممثلين الشباب حمل معه الكثير من الاضافات التعبيرية". وقال ثائر القيسي "فقد استطاع الكاتب ميري في روايته ان يسحب المخرج الى منطقة الفلسفة عبر تكثيف الحوار والتراشق بالاسئلة المفاهيمية التي تتوالد منها الافكار".

واعترف اليوم بانني عند معالجتي الاخراجية لرواية خضير ميري رجعت الى معالجة المخرج الانكليزي الشهير (بيتر بروك) لمسرحية (بيتر فايس) المعنونة مختصراً (مارا – صاد) والتي تدور احداثها داخل مصحة للامراض النفسية عن الثورة الفرنسية وقام باداء شخصيات العرض ثلة من نزلاء تلك المصحة ، فقد وجدت ان بامكاني ان اقترب من تلك المسرحية من ناحيتي الشكل والمكان. وستبقى رواية خضير ميري المعدّة للمسرح علامة فارقة في تاريخ المسرح العراقي كتراجيديا معاصرة.



18/02/2016

جميع الحقوق محفوظة لدائرة العلاقات الثقافية العامة - قسم المعلومات والانترنت 2012