نشاطات عام 2015
في صور
 


الاسبوع الثقافي العراقي
صفاقس 2016
 



بحث سريع

مواقع ذات صلة



متحدون مع التراث


حمّل تطبيق الدائرة للاجهزة الذكية


خارطة الزوار
جامع ومرقد زمرد خاتون
  

على تخوم حدود بغداد الغربية وفي منطقة الكرخ القديمة، وبالقرب من مقبرة معروف الكرخي- المتصوف البغدادي الشهير، 

ثمة بناء ينهض عاليا بهيئة مميزة ذات أشكال معمارية فريدة، نسجت حوله وعليه مختلف الأقاويل والحكايات، تلك الحكايات 

التي تصل حد الأساطير، عن باني هذا المنشأ الفريد، وأسباب تشيده ووظيفته، فضلا عن لغته المعمارية التي لا نظير لها 

ضمن سياق عمارة المباني والمنشاءات المبنية في عاصمة الخلافة - بغداد والحق، فإن البناء يشي بمثل تلك الحكايات؛ ذلك أن ارتفاعه العالي نسبيا، ونوعية توقيعه كونه مبنى منفردا قائم بذاته وكذلك أسلوب عمارته بقبته المخروطية المقرنصة تجعل منه حدثا تصميما مهمـا فــي المـشهـد الـحضــري لبـغداد العباسـية. وليس من باب الصدفة أن تكون هيئة المبنى حاضرة دائما عند معظم الدارسين والزائرين وفي صور السائحين والرسامين الذين زاروا بغداد في مختلف العصور تأكيداعن فرادة المبنى، وتميز عمارته.وبعيدا عن غايات ومضامين تلك القصص والحكايات المثارة حوله، فإن هذا المبني على الأرجح، كما تدلل الوثائق التاريخية ودراسات الباحثين، ما هو إلا تربة – ضريح- لزمرد خاتون، تلك السيدة الورعة ذات السيرة الحياتية الزاخرة بالوقائع الغريبة والحوادث الدرماتيكية، والتي ما فتئت أن أمست في الأخير زوجة لخليفة، وأم لخليفة!. بعد أن كانت في أول أمرها جارية مملوكة، جلبوها من تركيا واشتراها الحسن المستضيء عندما كان وليا لعهد أبيه الخليفة يوسف المستنجد بالله، ثم أعتقها؛ فلقبت بالجهة المعظمة وفي سنة 552هـ ولدت للمستصيء ابنا قيض له أن يكون خليفة أبيه، وهو أحمد الناصر لدين الله والذي دام حكمه سبع وأربعين سنة، وهي أكثر فترة بقي فيها خليفة عباسي (وربما أي حاكم عراقي آخر)، في دست الحكم. على أن الحكايات الشائعة والمتداولة على نطاق واسع كانت قد ربطت طويلا مقام زمرد خاتون هذا، باسم آخر هو الست زبيدة زوجة الخليفة العباسي الخامس هارون الرشيد ووالدة الخليفة السادس محمد الامين بن الرشيد، وغلبت تسمية منارة الست زبيدة على أية تسمية أخرى، واعتبرت اشاعة اقتران المبنى باسم الست زبيدة، أمر مفروغا منه، بل عد حدثا واقعيا، حتى أن ولادة عثمانيين عديدون الذين حكموا بغداد والعراق أجروا ترميمات مستمرة واصلاحات واسعة على المبنى ظنا منهم بأن الضريح يعود إلى الست زبيدة المتوفاة سنة 216هـ.وكانت التباسات تسمية الضريح، وغموضها قد بدءت منذ وقت قديم، عندما زار الرحالة ابن جبير، بغداد في سنة 580هـ (1184م)، ذاكرا من بين المواقع التي شاهدها مشهدا شاهق البنيان، داخله قبر كتب عليه: هذا قبر عون ومعين أولاد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)"، وذكر المـستشرق (غي لي سترينج Guy Le Strange )، الـذي نشـر كتابا عـن "بغــداد في عصر الخلافة"، والصادر في لندن عام 1900، بأن الأرجح أن القبر المسمى اليوم، بقبة الست زبيدة، والواقع بالقرب من مقبرة الشيخ معروف- هو البناء الذي وصفه ابن جبير، ونسبه إلى عون ومعين، ويشير د. مصطفى جواد، الباحث العراقي بأن ذلك خطأ مبين منه.وتطرق إلى المبنى الرحالة "ابن بطوطة "عندما كتب في رحلة عن مشاهداته ببغداد أثناء زيارته لها عام 727 هـ (1327م) "…. وبطريق باب البصرة مشهد حافل البناء في داخله قبر متسع السنام، عليه مكتوب: هذا قبر عون من أولاد علي بن أبي طالب". وفي هذا الصدد بذكر د. مصطفى جواد بأن ابن بطوطة ربما "نسخ ما ذكره ابن جبير في رحلته كما فعل في كثير من الأخبار،بدلالة تشابه النصين والوصفين. وينسب عباس العزاوي في كتابه "تاريخ العراق بين احتلالين" المشهد الى زبيدة بنت هرون الجويني المتوفاة سنة 706 هـ، في حين يرى محمود شكري الالوسي في كتابه " تاريخ مساجد بغداد وآثارها" بأن المبنى لا يمثل ضريح الست زبيدة زوج الرشيد، وربما كان يمثل تربة لزوجة او بنت احد الامراء او ملك من الملوك، اما عبد الرزاق الحسني، فينسب المقام في دائرة المعارف الاسلامية الى" زبيدة خاتون ابنة السلطان بركيا روق زوج السلطان مسعود بن السلطان ملكشاه المتوفاة سنة 532 هـ."وعلى أي حال، فإن تسمية الضريح ( بقبة الست زبيدة) تعود الى منتصف القرن الثامن عشر الميلادي عندما وصف الرحالة الدنيماركي الالماني الأصل كارستين نيبور Carstan Niebuhr المبنى اول مرة بإسم (منارة الست زبيدة) عند زيارته بغداد عام 1766 م (1180 هـ) ومنه من نيبور هذا تداول الناس خطأ اسم الضريح،ويؤكد عالم الاثار ارنست هريسفلد E.Herzfeldبأن تاريخ تشييد الضريح بناءً على عناصره المعمارية يعود الى فترة الناصر لدين الله المتوفي 624 هـ وليس الى المستنصر كما راج مؤخراً، مما يعزز من فرضية كون زمرد خاتون هي التي امرت ببناءه اثناء حياتها، وقد دفنت فيه سنة 599 هـ، كما دفنت فيه، قبلها السيدة نفشة خاتون زوجة المستضيء بأمر الله الثانية المتوفاة سنة 598 هـ، وكان دفنها في الضريح بأمر من زمرد خاتون نفسها زوجة المستضيء الاولى كما دفن، في المبنى ايضا جارية زمرد خاتون أي سنة 612 هـ الذي دفن بجوار جدته زمرد، واخيراً فان الضريح يحوي رفات زوجــة حــسن باشا الوالي التركي المتوفاة سنة 1131 هـ.

 يتألف بناء مقام زمرد خاتون من قاعة مركزية مثمنة الاضلاع ذات قطر يتراوح بـ 7.5 متراً ويبلغ طول ضلع المثمن من الخارج بـ 5.5 متراً، ومن الداخل بـ 3 متراً أي ان سمك جدار القاعة يبلغ حوالي 2.5 متراً ويدخل الى القاعة من مدخل وحيد عرضه 1.8 متراً يقع في منتصف الضلع الشمالية الشرقية، وثمة درج يقود الى سطح البناء على يسار الداخل الى الضريح، وقد فتح في صلب سمك الجدار وبعرض (60 سم) كما يوجد بناء لفضاء مربع ملتصق من الجهة الشمالية الشرقية ويتقدم المدخل الرئيسي للضريح، وهذا البناء لا يمت بأي صلة الى عمارة القاعة المثمنة لا من ناحية المبادئ التصميمية او لجهة نوعية القرارات التزينية؛ويعتقد على نطاق واسع بانه أضيف لاحقاً، اثناء الترميمات العديدة التي أجراها ولاة بغداد العثمانيون في وقت متأخر. يبلغ ارتفاع قاعة الضريح المثمنة 4.8 متراً وهذه القاعة تسند قبة مخروطية ذات مقرنصات يبلغ ارتفاعها حوالي 9.5 متراً، وبالتالي فإن الارتفاع الاجمالي لمبنى مقام زمرد خاتون يبلغ 14.3 متراً. استخدم الآجر كمادة انشائية اساسية في القوام الانشائي، سواء للقاعة المثمنة السفلية، ام للقبة المخروطية في الاعلى. واذ كسيت جدران القاعة بالجص من الداخل فقد تركت الجدران الخارجية خالية من الطلاء ذات زخارف، غلبت على "موتيفاتها " الاشكال الهندسية؛ وثمة طاقتان غير نافذتين في سطح كل وجهة من اوجه القاعة المثمنة. ويتم الانتقال من الفضاء المثمن للقاعة الى الفضاء الدائري للقبة عبر مقرفصات معقودة ومركبة على زوايا المثمن عددها ثلاثة صفوف تنتهي باعلاها بقاعدة نجمية ذات ستة عشر رأساً ومقرنصات منطقة الانتقال تختلف عن نطاق مقرنصات القبة، من حيث الارتفاع والنوعية، واذا كانت الاولى تستند على قواعد مثمنة فان الثانية تنهض على قواعد ذات ستة عشر رأساً تتألف القبة المخروطية من عشرة صفوف، السبعة الأولى السفلية تحتوي على ستة عشر مقرنصاً، بينما تحوي الصفوف الثلاثة العليا على ثمانية مقرنصات لكل منها، وينتهي الصف العاشر بقبة صغيرة نجمية ذات ثمانية رؤوس ويتم الانتقال من الصف السابع الى الثامن بعقود صغيرة، تجمع رؤوس كل مقرنصين متجاورين.

تعيد تشكيلات تربة زمرد خاتون الخصائص المعمارية التي لازمت اساليب تسقيفات القباب المخروطية التي انتشرت ممارساتها البنائية في اواخر العهد العباسي اثناء ما يعرف بالعهد السلجوقي الذي استمر حكمهم في بغداد قرنا من الزمان

447 – 547 هـ (1055 – 1152 م) والتسقيف المخروطي، هو احد اوجه انواع تسقيفات الفضاءات المغطاة ويتميز عن باقي الاساليب التسقيفية كون ان المادة الانشائية المستخدمة في اقامة الجدران المستقيمة الحاملة يمكن استخدامها ايضاً، في عملية قيام التسقيف عن طريق استخدام الاقبية والقباب، لكنه يختلف عن هذين النوعين من التسقيف كونه يؤمن الحصول على ارتفاعات شاهقة الامر الذي أهل هذا الاسلوب التسقيفي ليكون ملائماً جداً لتأكيد الجانب الرمزي في المنشاءات التي تتوخى السمو والعلياء، امثال الابنية المشهدية او النصبية. وليس من باب المصادفة ان تكون معظم استخدامات القباب المخروطية او المقرنصة موقوفة حصراً على مباني الأضرحة والشواهد والترب.لا يعرف بالتحديد موطن استخدام القباب المخروطية. لكننا نمتلك مثالاً قديماً من خراسان لضريح "جند قابوس" في جرجان يرجع تاريخه الى سنة 397 هـ (1007م)، استخدمت فيه القبة المخروطية كأسلوب انشائي لعملية التسقيف ومن جرجان انتشر هذا الاسلوب البنائي سريعا في انحاء مختلفة من العالم الاسلامي. ولئن اعتمدت عمارة تربة زمرد خاتون على "اساسيات" شكل القبة المخروطية، فانها ايضا اضافت إضافات رائدة، اسست فيما بعد انموذجا جديدا لشكل القبة المخروطية المقرنصة. يعتمد الحل التكويني في زمرد خاتون الى تجزأة المبنى الى قسمين اساسيين:اسفل واعلى؛ فالقسم الاسفل معنى في تأكيد الثبوتية. وتبيان فعل الفضاء المحصور؛ من هنا فإن المعالجات التصميمية والتزيينية للسطوح الواجهية جاءت واضحة ومختزلة حد الصرامة واعتمدت الأشغال التزيينية على " موتيف " الزخارف الهندسية ذات الخطوط القاسية الحادة في حين اتسم القسم الاعلى من التكوين بحضور مكثف للخطوط الملتوية الوثابة، وبغزارةالتوظيف لفعل الظل والضوء على السطوح المنحنية للقبة المخروطية التى انحسرت كتلتها وتلاشت كلما ارتفعنا ببصرنا نحو الاعلى، وقد تم بلوغ ذلك الهدف بنجاح، بفعل التقليص الفيزياوي الحقيقي لخاصية الكتلة المنشورية، وكذلك عن طريق ايحاءات المنظور. ينتقل الأثرالناجم عن استخدام وحدات التشكيلات المقرنصة في السطوح الخارجية للقسم الاعلى، الى داخل المبني، خالقاً الموتيف الرئيسي لتزينات الفضاء الداخلي،مانحا اياه احساساعاليا بالاتساع والرحابة، وتكتسب الاجزاء المادية في "انترير" القبة المخروطية، جراء الحضور الكثيف للسطوح المقرنصة والتوظيف المركز لخاصية الظل والضوء، حالة نادرة من الرقة والشفافية. في حين تعد مقاربة الحصول على معالجات تصميمية متماثلة ومتشابهه سواء في الخارج ام في الداخل، كما هو الحاصل في تربة زمرد خاتون، تعد تلك المقاربة أمراً مثيرا ولافتا للاهتمام وفي جميع الاحوال تعد تلك المقاربة امرا نادرا في الممارسات المعمارية؛ وعدها مرة، فرنك لويد رايت: المعمار الامريكي الشهير "منتهى الخاصية العضوية في العمارة".وتظل بالطبع مهمة تفعيل وتوجيه القوام الإنشائي نحو جهة احراز قيم جمالية مضافة، او مايعرف بمفهوم " التكتونيك" Tectonic، تظل هذه المهمة إحدى السمات الأساسية للقرارات التكوينية في تربة زمرد خاتون، وقد استثمر معمار المبنى  

خصائص المادة الانشائية بحوزته (وهي هنا الآجر) وجعلها تعمل بكفاءة عالية ضمن المسار المحدد بالقرار التصميمي.لقد اثارت خصائص عمارة المبنى وشكله المميز كثير من المصمميين. وامست لغته المعمارية مادة للمحاكاة والتفسير من قبل معماريين كثر، سواء منهم من عمل في الماضي، ام من يمارس المهنة في الوقت الحاضر. ولعل المحاولة التأويلية المبدعة والمعاصرة لهذا النوع من العمارة، التي انجزها المعمار "اي. ام. بي" I. M. Pei في تحفته التصميمية "متحف الفنى الاسلامي" في الدوحة بقطر (2008)، تُعد المثال المهم لاهتمام المعماريين بالحدث المتحقق جراء فاعلية التناص المتضمنة إجراءات التأويل. ورغم ان المعمار الامريكي الشهير اكد في اكثر من مطبوعة، بان "ميضأة" صحن جامع ابن طولون،في القاهرة بمصر هي <موحيته> لعمارة المتحف الا ان القراءات المتعددة لعمارة المتحف: "كنص" ابداعي، تجيز اعتباره نصاً تسكنه "نصوص" وجدت من قبل. واذا ارتضينا  بآليات القراءة البنيوية للاثر الابداعي، وخصوصا تلك المنادية بـ "موت المؤلف" فان ذلك يمنحنا القدرة على تجاوز مقولات المعمار، ومن ثم التعاطي مع النص الابداعي بحفر اركيولوجي يفترض انه نص مؤسس على مزيج من خطابات. بمعنى آخر، بمقدورنا كمتلقيين، قراءة عمارة المتحف قراءة خاصة، ليست بالضرورة ان تكون متطابقة مع نوايا واهداف المعمار. وتشير القراءة الاخرى لما تحقق في الدوحة (والتى نراها موضوعية)، من إن عمارة مبنى تربة زمرد خاتون البغدادي المتكاملة، وليست احدى مفردات التصميم الثانوية في المبنى القاهري، يمكن لها ان تكون مرجعية تصميمية العمليات التأويل. وبمقدور المتلقي ان يعقد مقارنات كثيرة بين تربة زمرد خاتون ومتحف الدوحة، وسيجد فيها حلولا تصل حد "التطابق" وخصوصا العلاقة بين الخارج والداخل، بالاضافة الى اسلوب التسقيف المقرنص والمتدرج الذي بات شكله في المتحف، مختلفا بالطبع عن المبنى البغدادي، مع إن "اجواء" المزاج التصميمي هنا، ما انفكت تشي بانتماء واضح اليه!. ونأمل اننا سنعود مستقبلا لقراءة عمارة متحف الفن الاسلامي، قراءة نقدية معمقة وشاملة، توضح بجلاء ما توصلنا اليه من (استنتاجات). ويبقى الامر المهم في كل هذا، هو حضور القراءة التأويلية، المتمثلة بمحاولة المعمار "اي. ام. بي" اياها، والتى نعدها بمثابة درس بليغ لجميع المعماريين المحليين الاخرين الشاهدة على جراءات التناص مع الآخر، وتبيان الخيارات المهنية في عملية تأويل الاشكال الماضية، وتقديمها لتكون "ملهمة" لاشكال جديدة تنطوي على حضور كثيف لدلالات سيميائية معبرة، موحية بالانتماء.لقد أدت عمارة تربة زمرد خاتون، على امتداد تاريخها العريق، دور الشاهِد (بكسر الهاء) عن معالجات معمارية: نوعية ومتميزة اتسم بها المبنى؛ والشاهِد هنا بمعنى الدليل او البينة، ولكن كلمة "شاهِد" ذاتها ربما جاءت بمعنى بلاطة الضريح وهو ما يدل ايضا عن وظيفة المبنى. بيد ان عمارة هذا المبنى يمكن ان تكون مرادفة لكلمة ُمشـاهَـد (بضم الميم وفتح الهاء) أي يمكن ان ترى من مسافات بعيدة نظراً لارتفاعها العالي نسبياً وفرادة لغتها التكوينية والكلمة هنا بمعنى المرئي اوالمنظور او الواضح.وكلها صفات تنطبق بامتياز على هذا المبنى المثـير... والجليل!.

30/06/2013

جميع الحقوق محفوظة لدائرة العلاقات الثقافية العامة - قسم المعلومات والانترنت 2012