نشاطات عام 2015
في صور
 


الاسبوع الثقافي العراقي
صفاقس 2016
 



بحث سريع

مواقع ذات صلة



متحدون مع التراث


حمّل تطبيق الدائرة للاجهزة الذكية


خارطة الزوار
سوق الصفافير
  

بغداد /نسائم بسام الوردي 

 أنغام رتيبة لا تخطئها الاذن ، و لا يمكن ان تسمعها الا في سوق الصفافير، عمادها  المطرقة والسندان  ،  وتضيع كل الاصوات بين ذلك الضجيج المحبب ، وهناك امثال عديدة  على ضياع الاصوات في خضم ذلك الضجيج ! ونحن نتجول في  السوق  تتنقلنا ضربة مطرق  من يد فنان حاذق،  الى اقدم اسواق بغداد العباسية ، حيث صناعة الصفر المطاوع  لتكون لوحات النحاس المنقوشة بنفائس الاثار التاريخية العراقية  ، يعود تاريخ السوق  الى العصر العباسي المتأخر ، عندما كانت انية المطبخ للبيت البغدادي تعتمد معدن الصفر ، الا ان معادن اخرى نافست الصفر منها الالمنيوم والفافون ، ودخلت الماكنة ،  لتغيب مهارة الانامل ورهافة الحس ، ما جعل غالبية الصفارين الحرفيين يغادرون هذه المهنة ، كما ان عدم الاستقرار السياسي ما غيب السواح عن المجيء الى بغداد والذين تستهويهم تلك الصناعات اليدوية الشعبية .

                                             صناعات اندثرت 

تعد صناعة الصفر من اقدم الصناعات الشعبية في العراق ، كما عرف سوق الصفافير بقبلة السواح قبل عقود من الزمن ،  الا ان السوق في الوقت الحاضر يشهد انحسار كبير بسبب الحروب واعوام الحصار والوضع الامني المتدهور ، وقطع جزاء من  شارع الرشيدوجعله ممرا واحد  ، عند زيارتنا للسوق وجدنا بضع محلات فيه مفتوحة ، ولكن بدون مطارق ولا ازدحام  ، وكغيرها من الصناعات الشعبية اليدوية فقد نافست الماكنة اغلب تلك الصناعات وليست صناعة الصفر فقط ، بل هناك صناعة السجاد اليدوي مثلا وصناعة العباءة الرجالية والفينة والسدارة  . 

قبل بداية الالفية الثانية كانت مادة الصفرالمادة الرئيسة في صناعة اواني الطبخ ،وكانت تجرى باليد وتعتمد المهارة والدقة ، كما كانت هناك اواني انقرضت الان وهي ( الركية ) التي تستخدم من قبل النساء لحمل ادوات الاستحمام من (  ليفة ، صابونة ، حجر الحمام ) وهي عبارة عن نصفا كرة معدنية  تنغلق على بعضها مكونة كرة معدنية منقوشة بالزهور والاشكال الهندسية الجميلة ، وكانت متواجدة في كل بيت لانها من هدايا العرس والتي تقدمها الأم لابنتها عند الزفاف ، والانية الاخرى التي انقرضت هي  المشربة وتسمى ايضا المصخنة والبكمة  وهي انية نحاسية تستخدمها النساء لنقل الماء من النهر الى البيت ، اما الهاون فهو على نوعين الاول يستخدم لطحن حبات القهوة ويكون متوسط الحجم والثاني اكبر بحافات عالية ويستخدم ل ( دق الكبة ) الى جانب   ( السماور) الذي يستخدم لغلي ماء الشاي  ، غير ان الحكومة في العهد الملكي قد منعت استخدام اواني الصفر لانها غير صحية وتصيب مستخدميها بالتسمم ، وعن انواع الصفر هناك نوعين الصفر الاحمر والصفر الابيض ، واسم الصفر الاصلي هو (النحاس الاحمر) .   


وسوق الصفافير هو عبارة عن مجموعة من الأزقة الضيقة الواقعة في منطقة الميدان، وهذه المنطقة بحد ذاتها منطقة تراثية، ولقد وضعت دائرة التراث العراقية يدها على كل منشآتها البنائية تنفيذًا لقانون وضعته الحكومة يقضي باعتبار أي بناء مضى عليه أكثر من مائة عام أثرًا تراثيًّا لا يجوز التصرف به، ويجب المحافظة على نكهته القديمة، ولهذا فقد وضعت دائرة التراث يدها على مناطق مهمة في بغداد، في مقدمتها منطقة الميدان التي تقع فيها سوق الصفافير وسوق الورَّاقين التي تسمى بشارع المتنبي

ثمة أشياء عدة كان لازماً على زائر العراق أن يفعلها أيام كانت البلاد مركزاً للسياحة يتهافت عليها العرب والأجانب لزيارة المتاحف والأسواق القديمة كانت في المقدمة المتحف البغدادي الذي يعرض تماثيل من الشمع، والمتحف العراقي بمحتوياته النادرة، وفي ما يخص الأسواق فإن سوق الصفافير كان المعلم السياحي الأبرز الذي يقصده الزوار لاقتناء بعض مما يباع فيه، بالإضافة الى سوقي الشورجة والكاظمية وهما من أسواق بغداد القديمة وترجع تسمية الصفافير الى مادة النحاس الصفر الذي تصنع منه الأواني المنزلية وأباريق الشاي والكاسات والملاعق وإطارات الصور والفوانيس والقدور ومقتنيات آثارية تحاكي آثار العراق، فضلاً عن مقتنيات العروس البغدادية في خمسينات القرن الماضي من صناديق خشبية مرصعة بالنحاس كان يوضع فيها جهاز العروس وحلي الطفل وحاجياته وغيرها 

ويعتبر النحاس المادة الأساسية للصناعات التي يشتهر بها السوق، ويسمى أصحاب المهنة الصفارون ويقسم عملهم بحسب مراحل الإنتاج فمنهم من يضرب على النحاس نحتاً باستخدام المطرقة والمسمار، وأكثرهم من صغار السن بينما يختص الآخرون بتصميم الزخارف التي ستُنحت على صفائح النحاس، في حين يعكف غيرهم على صقل المنتج بعد زخرفته وتلميعه أو يلوّن بعض أجزاء الصفائح المطروقة لتضفي لمسات فنية أكثر جمالية على الأواني، وبعضهم يرصعها بالأحجار شبه الكريمة أو يطليها بالمينا.

ويعتبر سوق الصفافير معلماً سياحياً لقدمه ومكانته في تاريخ بغداد وفي الوقت الذي تخلى العراقيون عن اقتناء الأواني النحاسية وتوجهوا لشراء الزجاجيات، فان الصفارين لم يتخلوا عن مهنتهم في وقت أصبح امتلاك النحاسيات ضرباً من اقتناء التراثيات والتحف التي تمثل جانباً من المصنوعات الشعبية العراقية.

ويتفاخر الصفارون بسوقهم الذي يرونه أهم أسواق بغداد ولا مثيل له في مختلف أنحاء العالم ويؤكد عدد منهم أن المهنة لم تسلم من الغش، فغياب الرقابة في هذه الظروف أدى الى تراجع جودة النحاس المستعمل، وكذلك يُسجل عدم إتقان العمل من قبل بعض الحرفيين بعدما كان عملهم مشهوراً بالفن والذوق الرفيع

وإذا كانت الأسواق الأخرى تشهد في كل فترة ظهور باعة جدد لا تحتاج منهم إلى كثير من الدقة والصبر والذوق، فإن من مميزات سوق الصفافير وجود الحرفيين الذين ورثوا المهنة أبًا عن جد، وتوارثوا أيضًا البراعة في الطرق على النحاس والقدرة على الخيال والابتكار، فهاتان يدان ترتجفان وهما تطرقان على النحاس تجدان متعة كبيرة في هذه العملية التي قد تبدو شاقة للآخرين، لكن هذا الشيخ الطاعن في السن لن يتخلى عنها، لأنها تأخذه من متاعب الحياة إلى متعة العمل والإبداع، فقد أبدعت يدا هذا الرجل الآلاف من الأعمال النحاسية التي انتشرت في أغلب البيوت البغدادية وحملها السواح إلى بلدانهم كأثمن شيء يحصلون عليه من زيارتهم لبغداد، لايمتلك هذا المكان سجلاً للزيارات والاحداث التي تحفظ له تاريخه من النسيان، ولكنه يمتلك ذاكرة قوية تؤهله لسرد الوقائع بالدقة والتفصيل، كما لو أنها مدونة في كتاب مفتوح



30/06/2013

جميع الحقوق محفوظة لدائرة العلاقات الثقافية العامة - قسم المعلومات والانترنت 2012